الحرية التي لدينا

أجسادنا، ومؤسساتنا، والفكر والتعبير، و”المسكوت عنه”

١٤ أبريل/نيسان ١٨٣٨–يكتب كيركغارد في يومياته: “إن الناس قلّما يستخدمون، إن فعلوا، الحرية التي لديهم، حرية الفكر على سبيل المثال؛ ويطالبون بحرية التعبير عوضا عنها.”

وهذا تلخيص بليغ لما كنت أحاول التفكير فيه (والتعبير عنه) في تدوينتي الأولى:

متى أبلغ أحد عن رقابة فإنه إنما يعني الرقابة القابلة للرصد، قمة جبل الجليد الذي كتلته الأساسية هي الرقابة المستترة، وتشمل الرقابة الذاتية. وزد على ذلك أننا نحن المسافرون دائما ما نفقد رؤية المحيط: التعليم–الحرب الشاملة التي تُشن علينا قبل ما يسمى سنوات التكوين بوقت طويل. يمكن بشيء من التبسيط النظر إلى كل معركة خاصة بحرية التعبير على أنها مواجهة بين أولئك الذين نجوا بشكل ما من النظام التعليمي وأولئك الذين لم ينجوا. وهذه القضية النخبوية بصورة متأصلة مكتوب عليها الفشل، وليس سببا هينا وضع النخبة كأقلية، علما بأن هذه ليست النخبة التي تتركز في يدها السلطات الحاكمة للمجتمع، والتي تحبذ مصالحها العليا مثل هذا النظام. وليست هناك حكمة في أن نتوقع مناصرة الجماهير للحرية الفكرية وهم، قبل التلاعب بهم بالإعلام وبالأيديولوجيا السائدة بوقت طويل، مجردون أصلا من ذات الحرية المطلوبة لتعلم تكوين الرأي المستقل وإطلاق العنان للخيال. وفي بلاد متخلفة كمصر، يشيع النظر إلى حرية الرأي والتعبير كمطلب فئوي لا يُعني إلا الأفنديات، الغرباء المغتربين–منفصل عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. ولكن ميل أولئك الأفنديات (الحقوقيين، الكتاب التقدميين، إلخ) إلى وضع كل رهاناتهم على مثل هذه المطالب الأساسية ولكن غير الجذرية، إن جاز التعبير، بالحرية الأكاديمية (على مستوى الجامعة) وحرية الصحافة والحقوق الرقمية، يزيد الأمر سوءا بجعل القضية في واقع الأمر تحصيل حاصل، كأن هناك رأي (حر) أو فكر (مستقل) أصلا وكل المطلوب، كل ما هو مهدد، هو فرصة التعبير عنهما. وهي نظرة شخص جاء متأخرا من شأنه على النحو نفسه االدفاع عن الحرية الجنسية لكائنات تعسة تم إخصاؤها وختانها ختانا جائرا في وقت مبكر وأفلت منهم من أفلت.


وخلال هذه السنوات الثماني، من سنوات الثورة إلى سنوات هزيمتها، كنت قد عدت إلى الكتابة بعد انقطاع سنوات، بما في ذلك الكتابة التي لا نلاحظ أو نعترف أنها كتابة، على فيسبوك مثلا. (كما صرت أشياء أخرى إلى جانب ما كنته في حياتي الفقيرة السابقة، كمجرد مترجم وحيد منعزل وموظف، بعيد عن المشاريع الجماعية القريبة إلى روحي وعقلي.)

كان هناك اختلاف في وقت ما حول وصف مدوني تمبلر وسواهم (كل مستخدم غير صامت على أي منبر أو وسيط اجتماعي في الحقيقة) بأنهم كيوريتورز (ناسقين، كما أحب أن أترجم الكلمة)، إلى حد دفع بعض الناسقين ’الحقيقيين‘، المحترفين، بالتوقف، احتجاجا، عن استخدام الكلمة في وصف أنفسهم. وفي هجومه الغاضب والعميق على فيسبوك وثقافته وثقافة حواره ومستخدميه، يفرّق جون رتش بين من يسميهم قراء ومن يسميهم كتّابًا، ويعتبر أن “قضاة محكمة الفيسبوك القساة والجهلة” هؤلاء هم جميعا من القراء، أي، بمفهومه للقراءة، مستهلكين غير مفكرين، وناقلين للأفكار، وتابعين. للتابعين تابعون، ورتش لا يقصر توصيفه على الجماهير ولا على الإنترنت: “كارل ماركس وفردريك نيتشه كاتبان، أما فلاديمير إليتش لينين وأدولف هتلر فهما قارئان”.

يعتقد أندرو ميرفي، وهو على حق، أننا أصبحنا الآن كلنا بلا استثناء ناشرين، ومن باب أولى القول بأننا صرنا كلنا كتّابًا، ليس بمفهوم رتش وإنما بالمعنى المباشر والبسيط، ولا حاجة مرضاة للناسقين والكتاب المحترفين الاستعاضة عن كلمة كتاب بكلمة كتبة. كلنا كتّاب إذن وكلنا ناشرون. أخيرا! لكن المعضلة والمفارقة الكبرى الساخرة أن كل هذا لا يؤدي إلى النتيجة المنطقية أو المنتظرة، إلى أعلى درجات حرية الفكر والتعبير.

فيبدو أن أحدا اليوم في الحقيقة لا يستطيع الكلام، في أي مكان في العالم. وتتفاوت قسوة الحدود بالطبع لكنها تصل في بلد كمصر إلى أردأ مشهد ممكن، ودونما الحاجة إلى النظام الدكتاتوري الرهيب، إن لم يكن بالتعاون معه مباشرة أو دون قصد. ليست هناك بالضرورة رقابة ولا مصادرة محتملة للوحة مفاتيح أو لحساب المستخدم على الشبكة أو عقوبة رسمية. هناك وحش آخر من نوع جديد بملايين الرؤوس يمارس ضغطا لا حدود له لكي يتخذ الفرد أو تتخذ الجماعة أو المؤسسة الموقف ’الصحيح‘، الصحيح تماما، وينتقي ألفاظه بمصفاة محدّثة باستمرار عن طريق تغذيتها بأدق المصطلحات المنقحة والصياغات والبروتوكولات المضبوطة، مع ضرورة النأي باستمرار عن كل من يخرج عن الصراط المستقيم وعن طوع هذا المعسكر أو ذاك، في سياق اقتتال ضارٍ وتقلّب مدوّخ، إن لم يكن للتيارات والتحالفات في البيئات الأكثر تطورا، فللشلل والدوائر ومجموعات فيسبوك وقوائم الأصدقاء.

لكن الجانب المذهل في المفارقة ليس “كيف حدث ذلك وقد صرنا كلنا كتّابا وصارت لدينا كل هذه الأدوات الخاصة بالنشر الذاتي والتعبير والرأي والسجال والاختلاف والتأثير والتغيير؟” فهناك اليوم قوة كبرى صاعدة تتمثل في أجيال وثقافة تقف بحسم غير مسبوق لكل الرجعيات، وليس فقط الرجعيات الشهيرة والمسماة، كالعنصرية والذكورية والطبقية. هناك ضيق هائل متصاعد بكل هذا الوسَخ التاريخي ورغبة شرسة في الخلاص منه. لكن أسوأ ما في الأمر فيما يبدو ليس تعجل الخلاص، وإنما طائفة من الأوهام والادعاءات حول ماهية هذه الرجعية وماهية الخلاص الذي يزعمه هذا المعسكر أو ذاك في فسطاط التغيير والتقدم والتحرر. وفسطاط الرجعية السلطوية (إن كان هناك حقا فرز ممكن بهذا التمييز الواضح والاتساق) يبدو أكثر انسجاما وتوافقا واتحادا و، بالطبع، سلطة وتأثيرا في مجال الحياة الفعلية. ومن المعقول أن نحاجج بأن اقتتال معسكراتنا نحن لا بأس به، فنحن و”دوائرنا” في نهاية المطاف هم أولئك الأحرار، المستقلين، المختلفين، الأحياء بكل ما تعني الحياة من حيوية وتغير وتطور وتساؤل وصراع فكري وتجديد وتجريب ومراجعة نقدية.

أمام كل النكبة داخل النكبة التي يمر بها المجتمع المدني في مصر، متصلا بمجتمع الثقافة المسماة بالمستقلة والبديلة، ودوائر الحقوقيين والنشطاء اليسارية أو ذات الطابع اليساري، لا أملك إلا أن أرى ليس فقط مشاكل الحرية التي قلما تُطرق (لا مشاكلها المألوفة بسبب فجاجة القمع) وإنما بالتحديد مشكلة حرية الفكر وحرية التعبير، وهما اسمان لحريتين دائما ما يأتيان في نفَس واحد وكأنهما شيء واحد، وتكمن وراء هذا أوهام وضلالات عتيدة ومدمرة على المدى الأبعد حول ماهية هذه الحريات وأين نحن منها ولماذا وكيف نحصل عليها.

إن حرية التعبير ليست هي تلك التي صادرتها الحكومات. ليست هي ما تمارسه المواقع المحجوبة. ليست كل ما هو خارج نطاق خطاب الكراهية، ذلك الشيء المطاط والفضفاض والغامض والمحاط بالنفاق والكذب والجهل والانتهازية. ليست ما قرر الرجل الأبيض والمرأة البيضاء أنه حرية التعبير، ولا ما قرره التابع التنويري والتابع النيوليبرالي، ولا ما قررته التابعة الفلسطينية الكويرية الحاصلة على أكثر من دكتوراه في دراسات ما بعد الاستعمار ووضعت لضبطه ما أسمته سياسات تحريرية تشمل ضرورة أن يكون الكلام واضحا ومفهوما ومنتهيا إلى خلاصة وموقف وشعارات وهتافات يمكن اقتباسها وتداولها والإعجاب ببلاغتها واختزالها.

حرية التعبير هي حرية الحديث إلى أنفسنا، بصوت أو دون صوت؛ والحديث، جانبا، إلى من نحب.

حرية التعبير شيء لم يوجد قط، ولم يُستكشف إلا في حدود ضيقة ضيقا مخزيا، وهو خزي يتناسب طرديا مع حجم الادعاءات التي تصرخ بهذه الحرية وتنتصر لها وتدافع عنها. ويبدأ السقوط الأخلاقي والفكري هنا بمجرد أن يبدأ الحديث عن ’نسبية‘ و’حدود‘ هذه الحرية، ولكن أيضا من التنظير الأذكى بكثير حول ’جدليتها‘ كمجرد تهرب كبير وخبيث من العقبة الأفدح: الانفصال الشرطي والبنيوي والمطبَّع تماما بين أفضل نتاجات الفكر النقدي وأكثرها خطرا على الرأسمالية والأبوية والسلطوية والعسكرية وبين ممارسة هذا الفكر على أوسع نطاق ممكن، على الأرض، بين الآخرين ومعهم؛ أن نعيش ونختبر ما نقوله ونفكر فيه ومن ثم نعرفه ونعرف سواه ونحاول (بحرية، بكل حرية!) أن نتلعثم للتعبير عما نراه الآن، باللغة اللفظية المليئة بالعيوب والنقائص والفجوات والكوارث، التعبير عن أنفسنا أولا ثم التواصل مع غيرنا: حرية الفكر أولا، نعم، ولكن، وبالاعتذار من كيركغارد: حرية عيش الفكرة. وهذا جوهر أزمة المعارض، الراديكالي إلى هذا الحد أو ذاك، أو الشخص الغريب عموما، في المجتمع المحافظ المتخلف، المنتصر عليه انتصارا لا يستوعبه المهزوم قط.

وجوهر مهمة المهزومين اليوم، ورهان نجاتهم إن لم يكن انتصارهم النهائي (وهو انتصار تستبعده الأعماق العدمية المظلمة لدى المهزومين ومن هنا تأتي مأساويتهم) هو أن يفكر كل منهم، إن تعذر أن يفكروا حقا معا، في كل شيء، بدءا من تلك الأشياء الجوهرية المسماة ذاتًا وهوية.

أي أن نكون، وننقضّ على كل ما يمنعنا أن نكون، وأن نتحلى بالنزاهة الكافية للاعتراف بما يمنعنا، بينما نحاول، أو نرتاح.

تحرريون في خدمة السلطوية

Rob Lycett © 2015 (“a version of the Game of War as authored by Alice Becker-Ho and Guy Debord, using a map and pieces designed and hand-made by artist Rob Lycett, using a game concept and ruleset originally developed in 1965 by Guy Debord (1931-1994) and as most recently published by Atlas Press in 2006.”)

العقبة الأفدح إذن أمام حرية التعبير هي الانفصال بينها وبين الفعل أو الخبرة. لكن هذه الفكرة في الواقع ناقصة جدا دون اعتبار جانب آخر.

يستخدم التحرريون بلا شك نتاجهم ونتاج بعضهم البعض، ولكن، وحصرا، في إنتاج المزيد من التنظير. أما من يفعل أشياء حقيقية بالتفكير النقدي والنظرية فهم أعداؤها: أهل السلطة المستهدف نظامهم بهذا الفكر الهدام والتحريضي، وممولو هذا الفكر الحر في الوقت نفسه.

خشي حنا بطاطو من استخدام الاحتلال الأمريكي دراساته حول العراق، لكن تشومسكي أنكر دائما استخدام العسكرية الأمريكية أبحاثه اللغوية في تطوير أسلحتها وأنظمتها الحربية، وكشف إيال وايزمان حب الجيش الإسرائيلي لدولوز وغاتاري وديبور بعد الانتفاضة الثانية، على الأخص أفكارهم حول الحيز والموطنة ومحاربة العدو بسلاحه في غرض مغاير.

في عالمنا الناطق بالعربية، ينصب نقدنا للمثقف المعارض على علاقته المباشرة بالسلطة، مقابل ابتعاده عن الناس، كمثقف غير عضوي. ومن هنا الصورة الاستعارية الشهيرة “حظيرة المثقفين”. لكن حظيرة المثقفين في الواقع أوسع وأقل محلية بكثير من تلك الكيانات التي ترعرعت في ظل عبد الناصر ومبارك. حظيرة المثقفين الأغرب والأهم هي تلك التي داخل أسوارها (بما يشمل أسوار الترجمة وأسوار الجايستور وغيرها) يمارس ويطور الأكاديميون والمفكرون من الوزن الثقيل أعتى وأرقى أنواع الفهم والتفكيك والخيال والهجوم المباشر والشامل على حكوماتهم وأنظمتهم بل وأسس ديموقراطيتهم الزائفة، ويتحول كل ذلك بالأساس إلى علف لذكاء التحرريين ووقود لسلاح السلطويين.

يبدو لي أن كل ما نفعله بالثقافة هو استهلاكها، أما هم فيستخدمونها حقا، وضدنا.

ببطء (قاتل) لكن بثقة

نحن إذن نستهلك الثقافة المعارضة ضدهم أما هم فيستخدمونها حقا، وضدنا. ننتجها ونستهلكها ونعيد إنتاجها، وهم يدعمون هذا الإنتاج وفق حاجتهم، ويضعونه موضع التطبيق الفعلي وفق حاجتهم. حاجتهم وحاجة السوق، إحداهما تسبق الأخرى أو رديفة الأخرى.

يطمس هذا الاستنتاج (أو هذا الوعي والشعور الطاغي) الجانب غير المرئي في المشهد المعاصر، وربما كل مشهد سابق. فما أسميته اختصارا ثقافة معارضة هو عند رايمند وليمز نوع واحد من أنواع الثقافة (أي الكلمة التي اعتبرها في قاموسه الشهير إحدى أعقد الكلمات في الإنجليزية). هناك ثقافة معارضة أو مخالفة، وثقافة بديلة، وتنقسمان بدورهما إلى ثقافة بازغة وثقافة مترسبة. هذه الثقافات المناوئة للثقافة السائدة والمهيمنة، أو الخارجة أو المستقلة عنها إلى هذا الحد أو ذاك، تُترك في سلام إلى حين وفق وليمز، إلى أن تمثل تهديدا أو مشروعا يمكن الاستثمار فيه، فيقضى عليها أو تهمش أو، وهو الأغلب في شروط التقدم الصناعي والديموقراطي اللبرالي، تحتوى وتستوعب. يصف البعض ذلك بالتدجين، لكن هذا الوصف يغفل أيضا كيف أن الثقافة السائدة والمهيمنة كما تنزع القوة عما هو مخالف وبديل أو تبطلها، فإن نسبة غير هينة من هذه القوة تنتقل في الحقيقة إليها هي، وتأخذ شكل مرونة متزايدة باستمرار، وجاذبية ورحابة، وتطورا حميدا وليس بالضرورة إيهاما بهذا التطور والتقدم والتحسن.

وسواء كان ما يحدث هو سرقة المهيمن والسائد للمعارضة والاختلاف (وتحويلهما ضدنا) أو استيعابه واحتواؤه لهما وبالتالي استيعابنا واحتواؤنا نحن، بمعنى الابتلاع ولكن أيضا بمعنى الاحتضان بعد تخفيف خطورتنا إن لم يكن تحييدنا، تكون النتيجة هي لا مرئية الثورة وآثارها الحية في كل ما حولنا ونعيشه؛ كل ما طرأ ويطرأ من تغيير عميق في حقوق البشر ومكاسبهم تغييرا ينقلها من شيء لم يكن يخطر بالأمس في البال، ونتشكك نحن (التحرريون) قبل سادة الهيمنة (السلطويين) في تحققه كثمرة للنضال، إلى شيء مسلّم به وينظر إليه باعتباره من ثوابت الحياة، والحضارة، والإنسانية، إلخ. فبدون النضالات والمقاومات والمساهمات العظيمة التي لا تحصى في نقد وهدم وتغيير الأوضاع القائمة وإعادة تخيل العالم بل وإعادة تشكيله جزئيا بناء على هذا التخيل، من المستحيل تصور كيف كنا سنعيش اليوم، برغم كل ما يوهمنا بأن الغد أشبه ما يكون بالبارحة، وأن الطبقات الحاكمة تتصرف وكأن شيئا لم يكن، وأن التخلف (أو الخضوع للسلطوية والهيمنة والتسيُّد) راسخ، وأن التقدم (أو التحرر كما أفضل وصفه، بدلا من استخدام لغة إشارات المرور المضللة هذه) غير حقيقي.

عندما يخاطب ممثل عن جيل جديد من المثقفين أو المتعلمين عموما، في مصر والعالم الناطق بالعربية، ممثلا عن جيل أقدم، بالقول: “صدقني، الأمور تتغير، وستتغير، ولو بعد حين، وعاجلًا أم آجلًا يتبين من كان على الجانب الصحيح والنظيف من التاريخ،” من أين يأتي بهذه الثقة؟ قد يبدو هذا (وهو نوع مشروع من التلقي) بلاغة خطابية وإنشائية أولا وأخيرا، تمنيات، حماسات، محاولة للتأثير والإقناع لكي يرفع الطرف الآخر يده عن هذه أو تلك من الفئات المظلومة. لكن كاتب تلك السطور لا يشك فيما يقوله. في يوم ما، وكما تغير الكثير في واقع المصريين في عقود، سيكون مستوى لا نحلم به اليوم من التحرر والاختلاف الجنسي والغرابة الجنسية (وليس فقط للمثليين والمثليات والعابرين والعابرات) هو واقع المصريين الجديد المألوف إلى حد كبير حتى لو ظل البعض يستهجنه ويحاربه. كثير من أحلام وفانتازيات اليوم الأخرى ستكون واقعا عاديا، يفسح المجال لأحلام وفانتازيات جديدة. ولندع كل حديث الجحيم الأرضي الآن جانبا.

غير أن المشكلة التي لا تسمح بأن يتحول كل هذا التحرر المستمر إلى خلاص حقيقي وفردوس أرضي ليس فقط اللامرئية، ولا الاستيعاب والاحتواء والتهميش والقضاء على المقاومة والاختلاف، ولا الفوضى والتعقيد والتناقض، إنها هذا البطء القاتل.

الاعتصام لا شيء. الاعتصام كل شيء.

  •  في المستوى الأول، يهدف كل اعتصام في ميدان عام إلى خلق أزمة والحفاظ عليها. وجود جماهير في الشارع ليل نهار (يُفترض أنه) يقطع استمرارية الحياة العادية، وقد يشمل ذلك حركة المرور كما في ميدان التحرير، أو وقف العمل كما في مصنع أو مصانع. كما أنه يظل عملية استيلاء، سواء أدار المعتصمون المصنع أو سيروا المرور أم لا، ومهما حاولوا إنكار معنى الاستيلاء الذي ينطوي عليه مرادف كلمة اعتصام الذي يتجنبونه: احتلال.
  • بلجوئها إلى مقار قوات “الشعب” المسلحة تسعى حركة إعلان الحرية والتغيير السودانية إلى التأثير على توتر في الجيش تكسب من خلاله (البعض في) سلك الضباط، ضباط الصف، الرتب المتوسطة، ممن لم يُعرف عنهم انتماء للنظام أو تورط في فساده وانتهاكاته. كما تؤكد على سلميتها كسلاح أساسي: الاستجارة من العنف بمحتكر العنف، بل مطالبته بأن يحتكره أكثر.
  • أكثر من المصنع – والجامعة لاحقا، بعد انتشار التعليم العالي في الطبقات المتوسطة فما تحتها، وهو ما تجلى في حقبة ١٩٦٨، المستمرة إلى الآن وفقا للبعض – يُعد الاعتصام بيئة تركيز نضالي، حيث يلتقي أفراد من الطبقات المَسودة، المحكومة، لأوقات طويلة، في نشاط مشترك ومتكرر، فينمون الصلات والروابط، ويعون بظروفهم المشتركة، ومواطن قوتهم وقدراتهم المطلبية والصراعية، ويتبادلون الخبرة، ويتنظمون. (الاستعارة الكلاسيكية هنا هي أغورا، وهي رفاهية كسبها مواطنو أثينا “الأحرار” بفضل العبيد. لابد من بقاء الاعتصام كمسألة حياة أو موت لأنه ليس أغورا، وما من أغورا، نعود إليها.)
  • من هنا تأتي الطبيعة المتناقضة للاعتصام، إذ من ناحية يشتد عوده وتتفجر إمكاناته ما دام وجوده، ومن ناحية فإن حالة الانتظار التي تَسِمُه مع التأكيد على أهمية النفس الطويل، في حرب الأعصاب هذه، تخاطر بإحداث تململ سريع، على الأخص وأن الاعتصام لا يوقف حقا الحياة العادية خارجه، وإليه يعاود أغلب المعتصمين أنفسهم الرجوع من العمل والبيت إذ لا يريد أحد خسارة وظيفته، ولا وضع رهان شخصي كامل ومطلق على نجاح الثورة.
  • بعد يوم الجمل ٢ فبراير ٢٠١١ لم يَعُد اعتصام التحرير أبدا كما كان. انتهت طوباويته الشهيرة قصيرة العمر ولم يعد أحد فوق الشبهات بعد انتشار شائعات تسلل أفراد لإثارة البلبلة وتفرقة الصفوف، وصودر كل حوار إشكالي أو تساؤل حساس أو إبداء أي تشكك علني أو قلق. كان المطلوب فقط هو رفع الروح المعنوية والصمود إلى ما شاء الله. تكرر الأمر في اعتصامات لاحقة، ففي اعتصام مجلس الوزراء نحو نهاية العام وفي اعتصام يوليو من قبله كان من غير المقبول للبعض طرح مسألة فض الاعتصام للنقاش في اجتماع عام، ما كان يعني الإسراع بتخريبه وتقويضه.
  • في مقابل الإسكات من الداخل كان أي منشور يوزَّع في الميدان يقابَل بلهفة واحترام؛ فحالة الانتظار تشمل أي كلمة أو مبادرة قيادة “من الخارج”، كلمة ينبع احترامها أيضا من هالة الكلمة المكتوبة والمطبوعة مع عدم تشخصُن/تجسًّد المخاطِب في مجرد زميل اعتصام مثلا. وتُختصر الديموقراطية والحاجة إلى الحوار في منصة وجمهور. هذا مظهر واحد لملمح بارز آخر في تناقضات الاعتصام كوسيلة لإملاء الإرادة الجماعية وكحشد ينتظر الأوامر والقرارات. (كان “الخارج” الوحيد المشروع كمصدر للقرار في الاعتصامات التالية ليناير-فبراير هو السماء حرفيا: الشهداء، وأهاليهم بالتبعية كمتحدث عنهم.)
  • مِثل اعتصام التحرير يصبح اعتصام الخرطوم موضوعا لصورة ذاتية يعاد إنتاجها على مدار اليوم في مشاهد وأيقونات وقصص بصرية ورمزية، أكثر منها – في الأغلب، وفي حدود ما يمكن الحكم به من بعيد – تجمعات ومواقف مؤقتة ثورية ترهص بالديموقراطية الجذرية والإبداع الجماعي والتعايش الحقيقي، فعلى هذا المستوى هو لا يمثل سوى لمحة خاطفة عن حياة بديلة ممكنة.
  • التناقض الثالث في أي اعتصام اليوم هو حاجته الماسة هذه لـ”تلفزة الثورة” وما تفعله به هذه “التلفزة” الضرورية. لم يعد السؤال هو هل ستتلفز الثورة، وإنما هل يجب أن تتلفز، أو بمزيد من الاعتدال، كيف تتلفز. وكم كان عبقريا من بيتر واتكنز أن يختار لتجربته السينمائية الفذة في مطلع القرن، عن الإعلام والتاريخ ومسرحة وإعادة تجسيد الصراع، أنجح وأشهر وأهم اعتصام/احتلال في التاريخ، والذي يلخص بدرامية عالية كذلك كيف ولماذا قد يفشل اعتصام/احتلال بسبب التناقض الرابع بين حدود السلمية وحدود العنف: كوميونة باريس.

عن رغبة مشوهة في أن تكون جزءا من القصة

السائحات

“هم الإدارة يا ليل
واحنا الحيارى”
—من أغنية لعدوية، “يا ليل يا باشا”، حسن أبو عتمان

مثّل فيسبوك وتويتر فرصة تاريخية لأبناء وبنات الطبقات العليا والوسطى المرتفعة في جنوب العالم ممن اختنقوا بملل طبقتهم—الملل الذي أضفته على العالم طبقتهم في أصلها الشمالي. كان وضعهم الطبقي المميز قد منحهم الرفاهية الكافية للتأمل والتطلع والمقارنة والتوفيق بين تخلف مجتمعهم المحافظ وانفتاح المجتمعات الأقل محافظة. ثم منحتهم الوسائط الجديدة المجال لإشباع فضول التجربة لديهم وتحقيق اللقاءات المستحيلة. كما أراحتهم عوامل مسويّة، أي مساواتية مخادعة، بردم الفجوة دون جلبة، بما سرعان ما سيتبين للعالقين على الناحية الأخرى – إن لم يسقطوا طويلا في الفجوة التي ستنتفتح تحتهم فجأة من جديد – بأنها لم تُردم سوى بخدع لغوية-سينمائية وديكورات.

هذه اللقاءات العابرة تتخذ، في أشدها إيلاما بأثر رجعي، شكل الصداقة أو الحب أو الرفقة السياسية. وإيلامها مركّب: غدر العالم من خلال استقراره؛ كثافة التجربة القصيرة؛ تفاوت القدرة على أخذ القرارات؛ الوعي اللاحق بكل ما كانت الديكورات والخدع قد نجحت في إخفائه.

ولأن أشياء كهذه، مهما يكن، مكلفة، كما أنها تعتمد على عوامل زمنية تقوي إمكانات الفرصة التكنولوجية – كأنْ تقوم ثورة مثلا وتنحسر – فسيهتدي أبناء وبنات الطبقة إلى حل أقدم قليلا وإن بشروطه التكنولوجية الجديدة أيضا:

لقد ألهم البؤس الاجتماعي المرتاحين ماديا بالرغبة الملحة في أخذ الصور، وهو أرق أشكال الافتراس، من أجل توثيق واقع خفي، أي واقع خفي عنهم هم.

محدقا في واقع الآخرين بفضول، بانفصال شعوري، باحترافية، يشتغل المصور الفوتوغرافي المنتشر في كل مكان كما لو كان ذلك النشاط يتجاوز المصالح الطبقية، كما لو كان منظوره عموميا. في الحقيقة، تبدأ الفوتوغرافيا في الاستقلال بنجاح بوصفها امتدادا لعين فلانير [متصعلك] الطبقة الوسطى، الذي رسم بودلير خريطة دقيقة لحساسيته. الفوتوغرافي هو … ذواقة للتماهي العاطفي، … . الفلانير… ينجذب إلى… واقع غير رسمي متوار خلف واجهة الحياة البورجوازية “يمسك به” الفوتوغرافي، كما يمسك محقق التحري مجرما.

—“Melancholy Objects”, On Photography, Susan Sontag

تشبع العلاقات واللقاءات العابرة مع غير أبناء الطبقة احتياجات شتى لدى أبنائها: المغامرة (المستحقة بفضل التميز)؛ تخفيف الضيق بالغربة، على الأخص مجتمِعا بإحساس ما بالذنب يشوشر على الاستحقاق ويعكر صفو التميز وتقويه الثورة القصيرة الكثيفة بدورها؛ الشعور الطيب بتجاوز الإحسان إلى الكرم والقوة والتضامن (شعور بأننا من ناحيتنا حاولنا). وتشترط هذه العلاقة السياحية دون إدراك السائح(ة) بالضرورة درجة من الاحتماء، حيث لا يدرك بوجودها مثلا في شقة الآخر الفقيرة أحد، ولا ترى بصحبته إلا في سياقات ملتبسة أو عامة، وتكتمل مثالية هذا الاختفاء عندما يتخذ اللقاء شكل صور فوتوغرافية لهؤلاء الآخرين الأقل حظا بمسافة موضوع السياحة الإنسانية/السياسية، حتى لو عنى هذا النجاح أمانا أكثر/مخاطرة أقل وكثافة أقل، تُحل بوفرة الصور.

الإرهابي

لم يعد ولع الإرهابيين بالصور وهوسهم بإتقانها أمرا جديدا—ربما لم يكن أبدا جديدا بسبب طبيعة الإرهاب حتى لو سبق عصر الصورة بمعناها الحديث. لكن الأشد أصالة لدى الإرهابي هو هوسه بالقصة. نعرف ذلك الشعور الذي يتنزل علينا رويدا بوراثة العالم، وبالتالي امتلاكه نسبيا، ويعذبنا موضعنا القلق وغير المحدد من هذه القصة التي تتكشف أمامنا ببطء ولكلٍّ حسب مداخله إليها. ونعرف أولئك الذين تثبّت انتباههم على قصة بعينها إلى حد الكلام عن دورهم (الوهمي) فيها: كيف عرف(ت) ريا وسكينة مثلا، كيف أنه هو من اختطف الطفلة الأمريكية التي تمثل قضيتها لغزا غير محلول بعد، قبل أن تسخف الواقعية والاحترافية حماسهم فتدفعهم إلى الإنكار أو تفرج عنهم مع توصية بالعرض على طبيب.

يؤمن الإرهابي في الكثير من الأحوال بأمرين متناقضين ولكن منسجمين: حتمية التاريخ وغائيته، وحتمية دوره كذلك (أي حاجة التاريخ إليه). للحماقات الكبرى سحرها الخاص الفائق على الأخص لدى الغاضبين المغبونين عميقي الشعور بالضعة والهوان. فهذا العاجز عن عمل أشد الأفعال بساطة واتخاذ أكثر القرارات تفاهة بسبب قيود النظام السياسي-الاجتماعي يمكنه بتفجير نفسه، أو، وهو الأشد غواية هنا، تنفيذ مذبحة ثم الهناء بأضواء المسرحية، “تغيير” التاريخ. وكما تؤتي الصورة فعلها بمصاحبة سردية (مهما بلغت قوتها وجودتها: تعليق الصورة كأضعف الإيمان—بنيامين، سونتاغ، ماركر) تكتمل فخامة المذبحة مع مانيفستو يصعد بين عشية وضحاها إلى قمة “الأعمال” الأعلى قراءة في دوائر بعينها، ويكتسب احتراما إجباريا بسبب جدية الأمر وموضعا في السردية التي لم يكن البطل-المؤلف الجديد حتى صباح اليوم سوى قارئها المهووس.

هـ. م. س.

في بورصة جلسات النميمة بأنواعها تعلو قيمة بعض القصص على غيرها وتخضع للتكهنات والمضاربات، أو تتوزع الاهتمامات عليها حسب الذوق والرغبة. وبالرغم من أن ترديد كل إشاعة وقيل وقال هو في أحد وجوهه – على الأخص عندما تصاحب ذلك ثقة وتفاصيل وتأكيدات إضافية لإضفاء المرجعية والمشروعية – دعوى امتلاك للقصة ومزاحمة لوضع قدم فيها، فبعض هذه القصص يغري دونا عن غيره بـ”التدخل”، ربما تحديدا لغموض تفاصيله ونقصه وطابعه التفاعلي، كالمؤلفات التي تهدف إلى إشراك القارئ ودراسة الاحتمالات.

في الحياة الحقيقية لا تصبح هذه احتمالات بقدر ما أنها مساحات للفرجة المستمرة؛ مجسمات للتنفيس عن الغضب والانتصار للتحيزات؛ مواد للعب والتشكيل والتعويض عن الحسرة أمام قصص أخرى مغلقة. يطمح البعض بفضل موهبة أو موقع أو جدية أشد في مساهمة مختلفة نوعيا، مضفيا المشروعية والمرجعية بما هو أكثر من ترديد الكلام: يمكنك بالفعل أن تصبح جزءا من “القصة” بأثر رجعي. أنت هنا مؤلف بمعنى أكثر إيجابية ومادية. كما يمكن للروائي أن يدرس جعل كمال وعايدة يلتقيان في الجزء الثالث، يمكنك أن تدبر بالفعل لقاء بينهما في الحياة الحقيقية، لأول مرة منذ سنوات، لم تشهدهما قبلها، لم تعرفهما، لم تكن موجودا، وتستمتع بمراقبة ما يحدث، نتيجة فعلك الخَلقي، بقوتك، بوجودك في زمان ومكان لم تكن فيهما. لقد امتلكت القصة بالفعل حتى قبل ترديد الكلام: عندما اختزلتها بينك وبين نفسك إلى مشاهدها الأخيرة أو طبعاتها الرائجة. كل ما يتلو ذلك هو صيرورة امتلاك القصة، أو بالأحرى نهبها. أنت أيضا «بطل من ورق».

“الثورة”

Conference-of-the-Birds

وهكذا فإلى الحداثة انتميت أم إلى ما بعدها أم إلى ما قبلها، ستنتهي دائما إلى “دخول” القصة، وإلى امتلاكها كرواية واحدة كبرى أو ممزقة نهب كل ريح، راغبا أو مجبورا، بحماس أو – مثل أغلبنا – بدون (أو بالأحرى، بحماس أقل). ربما لا يمكن تصور التاريخ ومجرد الاتصال الاجتماعي دون هذه العملية—فإلغاء القصة أو تأليفها مجددا بقدر ممعن في الخيال النقدي يتطلب شروطا باهظة التكاليف وخارج الشروط الإنتاجية الحالية. ولكن هل يمكن تصور هذا الأمر الأخير نفسه – إذا أسميناه “الثورة” مثلا – كعملية خالية من امتلاك القصة إلى هذا الحد أو ذاك، على هذا النحو أو غيره؟

هل يمكن لمن تنضم إلى قصة مهمة باستخدام وسم موحد يعلن حضورها ودخولها، #أناـأيضا، أن تمتلك القصة الكبرى أيضا بقدر من الإبداع يتخيل القطع حقا مع الفصول والأجزاء السابقة؟

هل يمكن لمن يقضي عمره في المقاومة والتمسك بقصته وثقافته أمام من يسلبونه إياهما (حتى موته يسلبونه إياه) أن يبذل أيضا الجهود لنزع طابع الملكية الخاصة – بكل ما تعنيه من التفاوت الرهيب في القدرة على الاستحواذ وتكريس القصص – عن كل قصة بما في ذلك قصته؟

الرواية الكبرى سجن موحش فسيح إلى حد يوحي بأنه مفتوح (جماعي/جماعاتي)—«منطق الطير» للعطار؟ الروايات المتعددة متاهة جحيمية باذخة (فردية/فردانية)—“حديقة الطرق المتشعبة” لبورخس؟ القصة الكبرى ليست هنا بعد. ويتطلب اكتمالها بما يكفي توفيقا عميقا ومقنعا لعدد وافر من كل شيء وعكسه، كل قصة وأخرى مغايرة ومضادة. إذا كان للانشطار النووي أثر الدمار الشامل، فهو يعطينا فكرة عن الأثر الشامل الآخر لهذا النوع من اتحاد الذرات.

القطار يدخل المحطة

في قرية بعيدة، بعيدة جدا… سألت الأم طفلها وهي تطعمه، وسألت الخالة طفل أختها وهي تطعمه: أين يدخل القطار؟

يدخل السرير؟

إنه سؤال بلاغي. يبتهج إزاءه الطفل فاغرا فاه الغض للملعقة القطار. يتغذى. يكبر. ولعله يفكر في القطار، وفي ماهية هذا القطار. يربطه بالصوت الآتي كل بضع ساعات من حدود القرية؛ عند محاكاته بالفم الملتصق بغتة بأذن الأم أو الخالة، بالمرح الشرير لطفل، صوت مختزل بشدة وطفولي ليس جهوريا ولا مفزعا حقا كما يراد به، لقطار ليس أكثر من دمية مسلية.

يكبر وبعد قليل يقترن القطار بأشياء أخرى غير مرحة. كما في أغنية عربية لخضر العطار تعلن بعد موال قصير “كرهت صوتك يا قطار / كرهت ساعات الرحيل”. إنه لا يفهم النوبية ولا يصله كل غناء الحلفاويات الثلاث المعروفات بالبلابل، لكي يتأكد القطار كعلامة حميمة على الغربة والتهجير على الجانب الآخر أيضا من الحدود. ولا يصله أبدا صوت قطار حمزة الذي يفككه إلى إيقاعات تتحدث ما يشبه النوبية، فيما صار وفق اسمه العالمي “بطاقة معايدة“.

وبأشياء أقل مرحا: فشريط السكة الحديد طويل بطول البلاد، يصل إلى مصر وإلى البحر ويمر بكل الصعيد، غير مستور بسور ولا مزلقان، وقضبانه قد تنغلق على من يمر مشيا كما رأى في “فيلم عربي” قديم، أما القطار نفسه فيدهس، يطحن، يحطم، هذا المار الشارد كما سمع ممن رأوا الجثث والأشلاء، يكون بعيدا وفجأة يمر فيك، في لحمك المتطاير. لعل بعض العظام وسط القمامة الغابرة وعظام الحيوانات في ثنايا السكة في مراحلها الأقل عمرانا هي بعض عظام هؤلاء المارة العالقين هناك للأبد.

يكبر، وتصغر البلاد، والذات. ينفطم الطفل مرات ومرات ويدرك في إحداها أن كل أطفال البلاد قيل لهم: أين يدخل القطار؟

تصبح البلاد شريطا طويلا من وراء الزجاج، من حقول وبيوت طين وعمائر أسمنت والجبال من ورائها ونيل يطل، وصحراء تطل، وشمس تروح وتجيء، وترع، وأمراض، وفقر كثير، وحزن غريب ورومانسية وحب لعين لما سرعان ما سيصبح اسمه الوطن والحبيبة والأم، ومن ورائه الصورة اللعينة. وعلى مدار هذه السكة روحة وجيئة، على مدار السنين، لن أترجل أبدا في نقطة بين مدن وقرى أقصى الجنوب مسقط رأسي وبين عاصمة البلاد الأولى والثانية، إلا عندما يقذف بي نظام التعليم إلى الجنوب الأقل قصاءً.

***

سقطت قطرة من الدم على يدي التي كنت متكئا بها على نافذة القطار.. ولم ألق بالا للأمر أول مرة، فمسحتها وواصلت استغراقي واستمتاعي بخواطري […] ولكن سقوط قطرة ثانية حفزني لأن أحاول استطلاع مصدرها، فأخرجت رأسي من النافذة ونظرت إلى أعلى فوجدت خيطا من الدماء ينساب من فوق سقف عربة القطار التي يطل من فوقها أطراف حذاء عسكري، وأدركت الأمر بسرعة، فهناك جندي مصاب فوق القطار. […] صحت بمن حولي أن يطلبوا من المسؤولين عن القطار إيقافه بأسرع ما يمكن […] أجمع الناس على أن الجندي […] ارتطم رأسه بسقف إحدى القناطر التي يمر تحتها القطار […] قلت […] إنني طبيب […] كان رأس الجندي مهشما […] وكان قد فارق الحياة تماما […] سلمناه إلى الشرطة العسكرية التي بدأت في جرد محتويات ملابسه […] منديل […] ثلاث سجائر، سبعة عشر قرشا، ختم، برقية. […] “احضر حالا … والدك توفي.” […] لم أعد أرى برغم عيني المفتوحتين لا الأشجار ولا البيوت التي كانت تطل عليها نافذة القطار […] أترى هذا الوطن القاسي على أبنائه المخلصين.. أيمكن لهذا الوطن أن ينهض؟ إن الأمر كله مرهون بقليل من الرحمة يمكن أن تنقذ عالما بأكمله.

—أحمد حجي، «مذكرات جندي مصري في جبهة قناة السويس»، ١٩٨٨

***

في الشريط أيضا جسور تُمد، وأطباق تنتشر، … وأقول لأمي في محطة المدينة الريفية البعيدة، البعيدة جدا، قولا يستفزها عن “أولئك الغلابة” الذين يستقلون قطارا بائسا، فتلقي علي حقيقة تاريخية وطبقية: حتى وقت قريب كان هذا هو القطار الذي يركبه أهلي، قبل أن تتوظف البنات ويتزوجن وتنقلهن الوظائف والزيجات إلى قطارات أخرى، درجة ثانية، مكيفة. ليست هي التي ينام فيها الركاب فوق الأرفف، وإن كان متسللون يسافرون فوق أسطحها (كالهارب في فيلم آخر). ليست هي التي تسقط أرضية حماماتها فجأة بمن فيها (كما حدث). ليست هي التي تحترق في منتصف الطريق بمئات الركاب “الغلابة” كما حدث. الحقائق المقلقة لا تخلو من دواعٍ لراحة الجبان، والعكس أيضا صحيح.

أتحرك، كما تحرك أهلي، ببطء لكنه أقل من بطئهم. وفي المدن الكبرى أعرف محطات أخرى، وأعرف فيها الكتب، وأصحب فيها الصاحبات. أعود إلى هاء في الطريق إلى إسكندرية وتقول لي بحياء شيئا عن عروق يديّ لأول مرة. وبعد سنوات غير قليلة يطالعني بغرابة شديدة في أيام الثورة منظر المحطة الموحي بالبذخ أثناء “تجديدها” (من الوهلة الأولى ثبت عندي انطباع بأن النجفة العجيبة – وأنا أخاف النجف منذ شاهدت فيلما قديما آخر – هي مقصلة)، ثم أعود إليها من إسكندرية مع تاء التي لحقت بي لتصالحني، قبل أن نفترق وتعود إلى حيها الراقي. كان هذا قطارها الأول هي ربيبة السيارات. لكن ميم وأنا افترقنا قبل أن نركبه. وركبته مع باء إلى إسكندرية أيضا، هي التي يصل القطار في دولة بلادها في موعده بالثانية، الأمر الذي عجزت عن فهمه. وفي الثانية بعد الأخيرة الأخيرة شاهدت وجه سين وقد اتخذ سحنة غريبة وهي تجري بأقصى سرعتها لتلحق به وبي وأنا على بابه يائسا من قدومها. وفي مرة تالية نادرة سنذهب معا جنوبا، لتصحبني في استخراج أوراق الإعفاء النهائي. قطارها الأول إلى الجنوب، هي الصحفية، هي المحظور تجوالها طويلا من الوالد والوالدة. استجوبنا فرد المباحث إذ ما الذي يجعلنا نسافر سوية بدون زواج أو صلة قربى.

***

قبل أن يترك الطفل قريته، وفيما هو يراهق ويتململ ولا يذهب إلى أبعد من الحائط الأصفر ويحوم وحيدا أو مع خليليه الجاهلييْن أو مع قرين أو أقران حول مهارب الخيالات، في القفار الجبلية، على الطريق السريع، في المحطات شبه المهجورة، كان قد عرف بلا شك عن فيلم لوميير الأشهر، وقصة فزع المشاهدين المضحكة وجريهم من أمام القطار المقبل “بسرعة” على الشاشة.

فمن مجلة تأتي بانتظام من الخليج حاملة بقايا التنوير والتطلعات العربية على ورق مصقول مدعوم، عرف أشياء كثيرة عن بلاد لم يزرها، وأفلام لم يرها، وعن كتب لم يقرأها ولو كانت القراءة هي السبيل الوحيد المتاح. رأى بوضياف لثوان وهو يُغتال على التليفزيون متحدثا عن أهمية التعليم في تقدم الأمم المستقلة ومفتتحا فصلا طويلا في الحرب الأهلية. وسمع بوتفليقة في الإذاعة وهو يتحدث عن الإرادة الإلهية لتسييد اللغة العربية. وسمع عن حَسني لكن العولمة لم تُسمعه إياه وأسمعته خالد ورشيد وفضيل وأرته إياهم، وسرعان ما ستسمره ومن حوله ليشاهدوا على الهواء مشاهد الطائرتين المدنيتين والبرجين.

وفي المجلة قرأ نقدا عن السينما الجزائرية جعله يغضب من فيلم «عمر قتلتو» ويشتاق لرؤية «وقائع سنوات الجمر». (بعد حل مشكلة الوصول بنسبة لا بأس بها، سيشاهد الفيلمين أخيرا بينما يحتج جزائريون على التجديد لبوتفليقة، فيحب الأول كثيرا وليس الثاني.)

وفي وعيه، اقترن الوصف المقروء لعرض أفلام لوميير بما يسمعه عن قوافل الفانوس السحري التي عرضت لأهله وجيرانه القرويين هؤلاء، أيام الإصلاح الزراعي، أفلاما منها واحد عن حرق القصب، هب الناس أمامه فزعين من النيران التي اشتعلت فجأة في جدار الجامع، بينما الشباب المتعلمون الذين ذهبوا إلى سينمات العاصمة يضحكون منهم مع الموظفين الغرباء.

لن أنتبه لاسم المدينة الأولى قبل زمن: لا سيوتا. ولن تثبت “الأفلام الأجنبية” اسم الثانية في ذهني، ولن تفعل ذلك فورا المشاهد المذاعة على الهواء: مانهاتن. لكن سيبدأ تاريخ المدينتين والموقعين عندي من هاتين اللحظتين. أما محطة رمسيس/محطة مصر، حيث فصول كاملة ولحظات ومعانٍ لا تنسى من حياتي، من حياتنا، فسيبدأ تاريخها الجديد الآن.

***

السيدة المتأرجحة في مشيتها من أثر الروماتزم بشنطتيها البلاستيكيتين مثل سيدات مصريات لا يحصين رأيناهن وعرفناهن، قبل ثانية واحدة من ركوب طائرة ١١ سبتمبر الخاصة بها. الفتاة التي تنتبه بالكاد إلى ذلك الشيء الرهيب القادم فتتراجع عن حافة الرصيف ببساطة موجعة غير متناسبة إطلاقا في كل مرة نعيد فيها تشغيل اللقطات. الرجل المشتعل هبوطا وصعودا في السلم في فيلم الرعب المصري الملون “الصامت” القصير فيبعد عنه الناس مومئين في ابتعادهم كل مرة إلى مصدر الخسة الحقيقية الكبرى التي أضرمت فيه الحريق، ومصدر النبل الذي تبقى بعد كل هذه العقود مع دلو المياه.

***

هل شم الحاضرون “رائحة الشواء الزكية بشكل مربك” كما وصف صحفي إنجليزي دخوله مدينة لبنانية بُعيد غارة إسرائيلية في الثمانينات—أم كانت في التسعينات؟ لم يقل ذلك في تقاريره الصحفية اليومية، وإنما في كتاب عن الحرب، صدر بعد سنوات. لا يمكن لصحفي أن يقول ذلك في تقريره اليومي. لن يخرج المذيع الإخباري ليقول “وفي قانا شم مراسلنا رائحة شواء زكية بشكل مربك سادت أنحاء المدينة”. سيقول “ويقدر عدد الخسائر بمائتين وستة وعشرين بين قتيل وجريح جراء القصف.” أو شيئا من هذا القبيل.

***

TerrsoTrainGIF

يعرف دارسو فيلم آخر للوميير “شخصيات” الفيلم بالغ القصر، معرفة تجعلها الدراسة حميمة أكثر منها أكاديمية، تجعلهم “أبطالا”. تميز بين من يظهر ويختفي في ثلاث نسخ مختلفة من اللقطات الأيقونية وماذا يفعل في هذه الثواني بسرعة ١٦ إطارا في الثانية: العمال يغادرون مصنع لوميير في ليون-نسخة الحصانين؛ العمال يغادرون مصنع لوميير في ليون-نسخة الحصان؛ العمال يغادرون مصنع لوميير في ليون-نسخة اللا أحصنة.

ويقول واحد من هؤلاء الدارسين، قضى عاما في جمع وتركيب تناسخات هذا المشهد في أفلام تالية عبر القرن التالي:

في ١٨٩٥، كانت كاميرا الأخوين لوميير مصوبة نحو بوابات المصنع؛ إنها طليعة كاميرات المراقبة الكثيرة اليوم والتي تنتج تلقائيا وبشكل أعمى عددا مطلقا من الصور من أجل حراسة حيازة الأملاك. لعل بمقدور المرء بمثل هذه الكاميرات أن يحدد هوية الرجال الأربعة في فيلم روبرت سيودماك Robert Siodmak «القتلة» The Killers (١٩٤٦) والذين يدخلون، في لباس العمال، مصنع برانيط ويسرقون الأموال المخصصة للأجور. في هذا الفيلم يمكن للمرء أن يرى العمال يغادرون المصنع وهم في الحقيقة رجال عصابات. واليوم فإن الكاميرات المخصصة لمراقبة الجدران أو الأسوار أو المخازن أو الأسطح أو الباحات تباع فعليا مزودة بكاشفات رصد حركة وتسجيل أوتوماتيكي بالڤيديو. وهي تتجاهل التغيرات الطارئة في الضوء والتباين، ومبرمجة على تمييز أي حركة هينة من مصدر تهديد فعلي. (يُشغَّل جهاز إنذار عندما يتسلق شخص سورا، ولكن ليس عندما يطير طائر عابرا.)

هناك إذن نظام أرشيفي جديد في الطريق، مكتبة مستقبلية للصور المتحركة، يمكن للمرء أن يبحث فيه ويستعيد عناصر من الصور. وحتى الآن فإن التعريفات الحركية والتكوينية لتتابع من الصور – تلك الأشياء التي تمثل العامل الحاسم في عملية المونتاج الخاصة بتحويل تتابع من الصور إلى فيلم – لم تصنف ولم تُدخَل بعد.

كانت الكاميرا الأولى في تاريخ السينما مصوبة نحو مصنع، ولكن بعد قرن من ذلك يمكن القول إن الفيلم ينجذب بالكاد إلى المصنع بل ينفر منه.

—هارون فاروقي، ١٩٩٥

***

بتقدم الزمن والبشر والصور: تصبح الحياة في مصر هي بالأساس موضوعا (آنيا) للأرشيف، أكثر منها حياة تنسحب تدريجيا منها ومن الصورة أي معالم تذكر للحداثة وتكتفي الحداثة بالتصوير ذاته، وبينما تأكل السلطة نفسها وتأكلنا تحتفظ لنا بذكرانا الحميمة في بطنها، حيث سنرقد ونأتنس بها ممتنين، قد تشهد على نفسها، لكن تقدم الزمن والبشر والصور يتكفل بأن: تصبح الشهادة الفاضحة مادة للترفيه الدموي كما أصبحت الحروب على الهواء مادة إباحية تفرعت إلى پورنوغرافيا تعذيب؛ يئوّل المذيع الكبير الشبه الغريب بمشاهد البرجين على أن الإرهاب متهم معقول، بين فقرات برنامجه الرائج المساهم بقوة في افتراس ذبائح جديدات ظهرن قسرا في سينما الدولة، التي بعد أن استعاضت عن اللومييرات بمخرجي “الانحرافات”، استعاضت عن أولئك بمخرجي المظاهرات، ثم استعاضت عن هؤلاء بجيوش من الكاميرات المصوبة، يستقر أغلبها الآن في أيدينا.

***

من سيحب أحدا الآن ويصحبه إلى هناك؟ من سينجب طفلا الآن؟ من سيطعم طفلا ويسأله أين يدخل القطار؟ من مِن المشاهدين سيغادر مكانه؟ من سيوقف القطار؟

أخلاق القرية الذكية

(١) في مصر يشن نقيب الموسيقيين حربا على شاب صاعد النجومية بفضل نوع شعبي إلكتروني سهل الإنتاج، حرب قطع عيش لا مجرد حرب عدم اعتراف باردة، يدعمها المجهود الحربي للجان الرقابة والمهن الفنية لضبط وتمرير ما هو فن وما هو شرعي وما هو صالح وما هو نافع، لتُظهر النظام بصورة عجيبة، ليست معادية للفن والثقافة والحرية بأكثر من معاداتها للسوق والرأسمالية، في بلد يعاني منها حَمُّو وبقية الشباب من التعطل والتخلف الاقتصادي ويُمنعون الآن من اجتراح فرص لأنفسهم وخلق وظائف لغيرهم، وليس بالضرورة ولا بوضوح لأن العمل معارض أو هدام أو منحط، إذ يكفي أن يكون صاحبه غير ملم بالقراءة والكتابة اللازمتين ربما لعضوية اتحاد الكتاب. على غرار روسيا الستالينية وألمانيا الهتلرية ومصر الناصرية يرى هؤلاء نظام بلادهم، رأسمالية (دولة) من نوع أو آخر مخطط مركزيا إلى هذا الحد أو ذاك تحت نظام شمولي يغذي صورة قومية متعاظمة تسير الأمة في ركابها إلى المجد والخلاص أو مجرد البقاء. الفارق الهزلي هنا هو أن السلطات الثقافية لا تعبأ حقا بتحقق أي من هذه الشروط القمعية لتشديد قبضتها: شمولية غير مستوفاة المتطلبات وغير قادرة على المنع الفعلي في عصر الاستنساخ الرقمي ضمن دولة تابعة تماما للأجندة الليبرالية الجديدة.

(٢) في مصر وسوريا بعد ٦٧ تركت الدولة مجالا للفنانين الغاضبين وأعطتهم المؤسسات والأدوات ليصنعوا أفلاما مثلا كما فعل عمر أميرالاي وعطيات الأبنودي وحسام علي (المعرض الزراعي)، على ألا تعرض لجماهير حقا قط. يستغرق الأمر عقودا حتى يدخل الإنترنت وأخرى حتى يتسنى نشرها ثم تداولها (وليس “توزيعها”) عليه، وأبدا فوق ذلك ليكتشفها من لا يعرف بوجود هذا الشيء وهذا العالم، على الأخص بعد تقديم مناسب يحكمه في النهاية مزاج الخوارزميات. تظل في مقبرتها المعروفة بالمركز القومي لتحقق تنويعة غريبة مما أسماه بنيامين “القيمة المعبدية” للعمل الفني في عصور ما قبل الحداثة، مرئية فقط للنخبة المثقفة والغاوين، ولا بأس من أن تعرض من زمن لآخر في نادٍ بل على جمهور رمزي ما ضمن مهرجان مثلا، بلا “قيمة معرضية” حقيقية في زمن الاستنساخ الفائق للآلي.

(٣) في فرنسا ما بعد الكومونة نُبذ مصورون فرنسيون شبان من المؤسسة لأن ما أنتجوه كان بوصف ناقد معاصر “جريمة” في حق الفن (“الشكل”) والأساتذة، لكن أحدا لم يمنعهم من لم الفلوس وتأجير ستوديو وتنظيم ٨ معارض لعقد ونيّف قبل أن ينفرط عقدهم لأسباب تتعلق بالتطور لا التضييق، ولا من الحصول على مقابل (عيني، من دهانات ألوان وقماش لوحات) من شخص وحيد (أب كما كنوه) قبل لوحاتهم ليحاول بيعها. هذه فرنسا المنتصرة إن لم يكن على پروسيا فعلى سلسلة أجيال من الثورات الكبرى استولى آخرها على العاصمة لشهرين، وسيصبح هؤلاء الفنانون المعدمون أساتذة المستقبل غير البعيد (و”الفنانين الرسميين” فيه—غوغان، متنبئا ومتخوفا: مانيه، مونيه، رينوار، …).

(٤) في مصر الآن ليست مصر هي مصر ما بعد ٦٧ المعترفة بهزيمة الحكم العسكري كشرط للتنمية، ولا ما بعد ٣٠ يونيو المطالَبة كدولة من ثورييها الجدد بأن تحارب مرة أخرى (في الداخل هذه المرة، مع استبعاد صوت واحد فقط من المعركة). في مصر تنمو أوهام العظمة الحاكمة الخائفة بجنون ونزعتها للقضاء على كل تهديد محتمل والانتقام من كل تهديد سابق لم ينضم إلى قائمة الأصدقاء، تنمو في فراغ آخذ في أن يصبح كاملا يُسحب منه تباعا كل الهواء والمعنى ولا تحسب القوة التدميرية الصرفة حسابا لغد تجد فيه ما تأكله هي والمؤمنون بها وتنمو كشر ضروري يمت بصلة إلى الحياة الذكية. “وجعانين ميتين”.

إني رأيت أفضل عقول جيل الستينات وقد دمرها الجنون

(1)

يتجرع شباب الثورة مرارة الخيانة وصدمتها؛ لقد خذلهم أساتذتهم من المناضلين القدامى والمثقفين الكبار، فبعد أن ساهموا في كبح الثورة، وقفوا دون مواربة مع الفاشية الصاعدة. لكن التفسيرات لا تخرج عن بطاقة تعريف ‘تقدميًُّو الدولة’ بتنويعاتها وفكرة صراع الأجيال. وما يغيب عنهم هو الأفدح: أنهم أنفسهم مرشحون لتكرار السقوط المدوّي نفسه، برغم كل الفوارق والمميزات التي لصالحهم، وبرغم تجربتهم الفريدة. وذلك ببساطة لأنهم لم يسألوا بجدية: ماذا حدث للأساتذة وكيف أصابهم ما أصابهم؟

(2)

منذ بضع سنوات، جلس مثقفان كبيران حقا في كافيتيريا المجلس الأعلى للثقافة، بعد ندوة عن ما بعد الاستعمار. كانا تقدميّيْن وإن كان أحدهما على يسار الآخر بمسافة، لكنهما اتفقا أن لا حل للمشكلة–وأن هذا لا يعني إنكارهما، أو حرمانهما من، “لذة النقاش”. لقد تحول السيدان بعد ثلاثة عقود في حظيرة الدولة للمثقفين إلى دودتي كتب، إلى كلبي فلسفة، إلى حيواني سياسة، لا أمل عندهما ولا إيمان ولا حل، لكنهما كعقلين متطورين يقتاتان على الفكر.

(3)

المناضلون القدامى مثقلون بتجربة هائلة، بنضال حقيقي دفعوا ثمنه ملاحقة وسجنا وتعذيبا وخسائر لا تعد ولا تعوض. لكن خسائرهم الأكبر التي لم يدركوها أبدا جاءت فيما بعد، عندما وصلوا إلى ما اعتقدوا أنه الحكمة: انقشاع الأوهام الدفين بإمكانية الثورة، كل ثورة؛ بأنهم قاموا بواجبهم وآن لهم أن يرتاحوا، أن يهادنوا النظام بمعناه الواسع، أن يغيروه أحيانا من داخله، أن يتماهوا معه دون أن يفقدوا ذواتهم، أن يحافظوا على الخير والنور الباقيَيْن ويدافعوا عنهما ويحموهما، أن يصلحوا قدر المستطاع بالشروط الجديدة وعلى مهل، وإلى الأبد، وأن يعزوا أنفسهم بالكتب والأطفال ولَوْك السياسة والتاريخ وتحليل الأخبار وحب الحياة.

(4)

وفي هذه الأثناء، يحدث ما لا يحسب المناضلون القدامى حسابه ويكادوا لا يدركونه، فهم يتورطون أكثر فأكثر مع المنظومة؛ تتماهى مصالحهم مع مصالحها؛ يصبح الثوري مثقفا وموظفا؛ زوجا وأبا وأما؛ مواطنا وزبونا؛ يحارب من جبهة المحامي والحقوقي والكاتب والحزبي والمهني؛ تتحول حربه مع النظام التي لا غبار عليها إلى جزء من الحرب اليومية في إطار تنافس ديموقراطية السوق، داخل دولة القانون التي تبتلع الصراع وتبرّده في دولابها العتيد الرهيب، ويتشظى نضاله إلى أنشطة لا تخرج أبدا عن قواعد المعارضة، حتى إن بدا غير ذلك، وتوحي له المكاسب وكذلك المقاومات المختلفة لنضاله بأنه لا يزال على طريق الثورة.

(5)

وفي هذه الأثناء أيضا، يكبر أبناء وبنات المناضلين الكبار، البيولوچيون والمنتسبون؛ يُربَّوْن في البيت كما يربَّى الأطفال في كل بيت مع فارق نوعي ما؛ يندرجون في مدارس النظام؛ يلقَّنون مبادئ التعامل مع المنظومة: التوازن، الحسابات، الحلول الوسطى؛ تضج عقولهم ونفوسهم بالتناقضات الصارخة، بالماضي المجيد والواقع الأنكر؛ يحلمون بالثورة التي بشر بها الأساتذة وينتظرون مثلهم أن يتغير المجتمع؛ يساهمون في ذلك بما تيسر ويتمايزون عن غيرهم ويحاولون الاتساق مع أنفسهم وأن يؤدوا دورهم في متابعة المقاومة؛ يحبون الوطن كما يعرفونه من الصور؛ يشاغبون أساتذتهم بينما هم واقعون في أَسْرهم وهواهم وضائعون في ظلهم. إنهم، مهما يكن، أبطالهم. يكرهون الشرطة والدينيين والرأسماليين، لكنهم كما ورثوا عن أساتذتهم ذكاءهم وعداواتهم القديمة، ورثوا مصالحهم الجديدة.

(6)

المناضلون القدامى مسمومون بهزائمهم التاريخية وشكهم العميق في جدوى ما فعلوه وحقيقة ما حلموا به. إن انتظارهم الدهري يقودهم إلى استعذاب القصص والاعتزاز الزائد بالانتصارات الصغيرة، إلى التطلع لأن يثبت الزمن حكمتهم مقابل هذا الفصيل أو ذاك، وإلى الرضا بسقف أوطى لا يجلب ذل الخيبة. ألم تتحسن المنظومة بفضل نضالاتهم الطويلة المتعاقبة؟ أليس الطريق طويلا لا يزال قبل التحول الكبير؟ وهم في تخبطهم العظيم وترنحهم كالسكارى وإحداثهم جلبة تليق بعقولهم الفذة وتجربتهم الضخمة يصيبون تلامذتهم بداء الضمير الملوث بحزن الكبرياء الجريح، بجنون التمزق بين الاغتراب والتماهي، وبين التجاوز الإعجازي والسقوط في ورطة المصالح والاحتواء. إن الملاحقات والسجون والتعذيب لم تمر عليهم مرور الكرام. إنهم لم يتداووا من ذلك أبدا. إن تلك أشياء قد تُفْقد العقل.

(7)

يحمل المناضلون بالضرورة أعباء خرافية. فمهامهم الفائقة للعادة تعني أنهم يقومون بوظيفتهم الثورية كأفراد نيابةً عن الجماهير الغفيرة، وفي انتظار تلك الجماهير الغفيرة. وفي لحظات الشك اللعين واليأس المطبق والقبضة الخانقة ينمو الجنون شيئا فشيئا: هل حدث حقا ما حدث؟ أما نراه حقيقة؟ أهناك من سيأتي بالفعل؟ وكما سيشعر تلامذته فيما بعد، يترنح هو منذ وقت طويل بالخيانات. إن الثوري الذي يحتكر الثورة، بنبل لا يغير من حقيقة الاحتكار، لن يغفر أبدا لنفسه وللآخرين. إن الثوري المهزوم المعتزل كائن مشوه، ضحى تضحيات فادحة بما في ذلك تضحيات بروحه، وهو لا يدفع ثمن التوقف عن التطور بالاندثار قبل أن يُلحق تدهوره الضرر بكل زرعه في دراما صامتة بالغة العنف.

(8)

تأتي كل ثورة لتجيب على أسئلة قديمة، لكن سؤالا واحدا يبقى لا إجابة له فيما مضى وإلا لما جاءت ثورة جديدة من الأصل: كيف يتغير العالم؟ كيف نقطع مع الماضي؟ كيف يختفي الظلم؟ كيف تتوقف البشاعة؟ كيف نسعد؟ لكن اللحظات العالية تنحسر حتى قبل أن يستوعب النظام الصدمة. فشروط الانحسار كامنة في المنظومة—النظام الأكبر، النظام بمعناه الواسع، الحقيقي. تعود الجماهير إلى بيتها لتعيد ما كان؛ تذهب إلى العمل وتشتري وتبيع وتلتمس الأمان، ويهرع التلامذة عند التقاط الأنفاس لاستيعاب ما فاتهم من دروس الماضي الجليل الذي طالما راود أحلامهم المراهقة: انتفاضات الطلبة والعمال والانقلابات الوطنية وإسقاط الجبابرة؛ الأغاني الجماعية وسحر الانصهار العلوي في الجماهير؛ إخضاع السماء والتاريخ والأقدار وإيقاف الزمن. يصبح لكل ذلك فجأة معنى وتدب فيه الروح. لكن اللحظة تنحسر بغدر وتفلت من القبضة البطولية، ويعود النهر إلى مجراه وديعا منكسرا بعد أن فاض في دورته الطبيعية، ويتم ترويضه أكثر. يكمل التلميذ دورة حياة الأستاذ وفي لحظة منها ينوء الأول بخيانة الأخير ويجن الثاني بتمرد الأول. يعودان ثملَيْن إلى الضفاف الموحشة الرتيبة بعد أن ذاقا من جديد نشوة اكتساح الأمواج لكل شيء وتبشيرها بأرض جديدة.

(9)

في كل ثورة يبرز، إلى جانب ممثليها الحقيقيين، رجال من طابع مغاير. بعضهم، من جهة، مشتركو الثورات السابقة وعابدوها الخرافيون ممن لا يعرفون مغزى الحركة الراهنة بيد أنهم لا يزالون يحتفظون بتأثير في الشعب لأمانتهم المعروفة للجميع ولشجاعتهم أو لمجرد قوة التقاليد؛ وآخرون هم مجرد زُعَّاق يرددون، العام تلو العام، تصريحاتهم المألوفة ضد الحكومات القائمة ويلقبون لذلك بلقب ثوريين من الدرجة الأولى، هذا من جهة ثانية. وبعد 18 آذار (مارس) ظهر أيضا رجال من هؤلاء وتسنى لهم أن يلعبوا دورا بارزا في بعض الأحيان. وقد عرقلوا الحركة الحقيقية للطبقة العاملة بقدر طاقتهم، تماما كما عرقل رجال من ذلك الطراز التطور التام لجميع الثورات السابقة. إنهم شر لا مناص منه؛ ولا يمكن أن يطرح هؤلاء جانبا إلا مع مضي الوقت ولكن ذلك الوقت ما كان في حوزة الكوميونة.

كارل ماركس – «الحرب الأهلية في فرنسا»، 1871

(10)

كل ثورة تقوم، نجحت أم لم تنجح، تفعل ما يمكن تسميته كسر الحلقة الجهنمية، الحلقة التي كانت تحول دون قيامها أصلا: الخوف، الانقسام، الشك، غياب الوعي… لكن الحلقة لا تنكسر حقا إلا بالاستمرار المرير؛ بتأبيد اللحظة الفائقة للطبيعة وتعميقها بحيث تتخلص من عفويتها وطبيعتها الزائلة. لكن الجذور ضعيفة حقا على عكس جذور المنظومة الضاربة الغائرة في نفوس الثوار أنفسهم، الذين يحاربونها على أرضها وبشروطها. وإذ تنحسر الجماهير يجن جنون الثائر الجديد بينما يقفز جنون القديم إلى مستويات جديدة، صعودا وهبوطا بين ذروة الأمل والثقة وقاع اليأس والشك. يعودون كلٌّ بِطَريق إلى لعبة احتكار الثورة؛ يصبح هذا ناشطا وهذا سياسيا؛ يهرولون في دهاليز السلطة والقانون ليمارسوا أدوارهم الواضحة المعروفة منتهزين الفرص وموازنين بين الضمير والأمان؛ يحاولون هدم الدولة ثم يهبون لإنقاذها مرتعبين؛ يشاركون أعداءهم الغناء للوطن؛ يناقشون الثورة على التليفزيون وسط الفقرات الإعلانية أثناء سقوط شهداء جدد، ويشاركهم النقاش لص الثورة وجلاد الثوار؛ تهولهم قلة عددهم بعد كل فرز جديد؛ يتوقف بعضهم عن الغناء للوطن؛ ينمو وعي أكثرهم، لكنهم يعودون إلى المدرسة والجامعة لا ليحتلوها وإنما ليتخرجوا ويعملوا ويتزوجوا؛ يسب بعضهم دين الجماهير ليتهمهم رفاقهم بالكفر بالجماهير التي صنعت الثورة، ويظل هؤلاء وأولئك على السواء أفنديات، يمارسون علاقاتهم الاغترابية وإنْ بروح جديدة منتعشة ومثقلة بالخبرة الأليمة بعين حالمة وعين سئمة؛ يقدسون شهداءهم ويتآكل إيمانهم بسواهم وتختلف مذاهبهم في عبادتهم؛ يمارسون الدروشة حول أيقوناتهم المجنحة؛ يصبح أهالي الشهداء آل البيت الجدد الذين سيوسعون رقعة الثورة، وأبطال (مدرجات) الكرة نجوم الدوري العائد بمباركتهم ثم شهداء المذابح الجديدة (في المدرجات) ثم أصحاب الأرواح المطالبة بالقصاص في المحاكم وتحقيقات الشرطة والنيابة؛ ينقضون على كل عدو إلا الذي خرجوا إلى لقائه؛ يستنسخون سلطويته في أبنية حركاتهم وأحزابهم وعلاقاتهم؛ لا يجترحون بديلا وحيدا على الأرض يرهص بمجتمع أحلامهم؛ تهرول فلولهم في حرب استنزاف طويلة وراء المعتقلين وضد القرارات وفي طريق الانتخابات والاستفتاءات، وفي ألف مناسبة يائسة لاستحضار المعجزة من جديد؛ يضخون اقتصادهم في صناديق اكتتاب عبثي لدفع الكفالات والرشاوى؛ يكتئبون كما تريد لهم المنظومة ويبتهجون كلما أفرج عن مسجون؛ ويصبح أفضلهم عدميا أو إيجابيا. وتنبذهم الجماهير، وينبذهم النظام، وينبذون بعضهم البعض، لأنهم في الحقيقة، مثل أساتذتهم، لم ينبذوا أنفسهم بأنفسهم. وخلال كل تمرداتهم الصغيرة على الأجيال السابقة، لا يأخذون الثورة معهم إلى المنزل، إلى الحياة اليومية، بعد أن تركوا ما كان سيصبح أسرتهم الجديدة من ثوار الشوارع. وبينما يستيقظ الوحش الذي أقلقوه، يصبحون أساتذة، وينتظرون الثورة الجديدة.

cohnbendit1968
“الثورة…كم أحببناها!”